محمد سعيد رمضان البوطي

376

فقه السيرة ( البوطي )

فكان أبو بكر هو الذي يصلي بالناس بعد ذلك ، وخرج النبيّ صلى اللّه عليه وسلم خلال ذلك مرة - وقد شعر بخفة - فأتى فوجد أبا بكر وهو قائم يصلي بالناس ، فاستأخر أبو بكر ، فأشار إليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن كما أنت ، فجلس رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى جنب أبي بكر ، فكان أبو بكر يصلي بصلاة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو جالس ، وكان الناس يصلون بصلاة أبي بكر « 1 » . واستبشر الناس خيرا بخروجه صلى اللّه عليه وسلم إذ ذاك ، ولكن البرحاء اشتدت عليه ، وكان ذاك آخر مرة خرج يصلي فيها مع الناس ، روى ابن مسعود رضي اللّه عنه قال : دخلت على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو يوعك ، فمسسته بيدي ، فقلت : يا رسول اللّه ، إنك لتوعك وعكا شديدا ، فقال صلى اللّه عليه وسلم : « أجل إني أوعك كما يوعك رجلان منكم » قال : فقلت : ذلك أن لك أجرين ؟ . . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أجل ، ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حط اللّه به سيئاته كما تحط الشجرة ورقها » « 2 » . كان صلى اللّه عليه وسلم أثناء ذلك يطرح خميصة - غطاء - له على وجهه ، فإذا اغتم وضايقه الألم كشفها عن وجهه فقال : « لعنة اللّه على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد » 3 . كأنه صلى اللّه عليه وسلم يحذّر المسلمين من أن يصنعوا صنيعهم به . رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وسكرة الموت وذلك هو حكم اللّه في عباده كلهم : إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ( 30 ) [ الزمر : 30 ] ، فقد دخل فجر يوم الاثنين ثاني عشر ربيع الأول من العام الحادي عشر للهجرة ، وبينما الناس في المسجد يصلون خلف أبي بكر رضي اللّه عنه ، إذا بالستر المضروب على حجرة عائشة قد كشف ، وبرز رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من ورائه ، فنظر إليهم وهم في صفوف

--> ( 1 ) رواه البخاري في كتاب الصلاة باب من أقام إلى جنب الإمام لعلة ، ومسلم في كتاب الصلاة باب استخلاف الإمام ، ومالك في الموطأ كتاب صلاة الجماعة باب صلاة الإمام وهو جالس ، وغيرهم ، ومن العجب أن الشيخ ناصرا أخرج هذا الحديث في تخريجه لأحاديث كتاب فقه السيرة للغزالي ، فعزاه إلى الإمام أحمد وابن ماجة فقط ، وزاد على هذا أن أخذ يحقق في نسبة ضعف إليه بسبب أن فيه أبا إسحاق السبيعي ، مع أن الحديث متفق عليه وله طرق غير هذا الذي اهتم بتحقيقه ! . اللّهم إلا أن رواية أحمد وابن ماجة فيها « واستفتح من الآية التي بلغها أبو بكر » وليس في رواية الشيخين هذه الجملة . وعلى كل فالحادثة واحدة والحديث واحد ولا ينبغي عند التخريج الاقتصار على ذكر الطريق الضعيف والسكوت عن الطريق الصحيح أو المتفق عليه ، لما في ذلك من الإبهام الواضح الذي يتحاشاه علماء الحديث . ( 2 ) و ( 3 ) متفق عليه .